الشيخ محمد رشيد رضا
159
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
واضحات لا لبس في حقيتها ، ولا خفاء في حكمها وأحكامها ، من جنس الهدى الذي جاء به الرسل من قبل ، ولكنه أبينه واكمله وَالْفُرْقانَ * الذي يفرق للمهتدي به بين الحق والباطل ، ويفصل بين الفضائل والرذائل ، فحق أن يعبد اللّه تعالى فيه ما لا يعبد في غيره ، تذكرا لانعامه بهذه الهداية وشكرا عليها . والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولا وتعبينها بعد ذلك أن ذلك الابهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل إذ ليس رمضان عاما في الأرض كما سيأتي بيانه قريبا . ثم إن هذا التعبين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكر الرخض لمن يشق عليه ، وذكر خيرية الصيام في نفسه واستحباب التطوع فيه ، وكل ذلك مما يعدّ النفس لان تتلقى بالقبول والرضى جعل تلك الأيام شهرا كاملا . وانظر كيف ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه ووصف القرآن بما وصفه به حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم ، ثم ثنى بالامر بصومه فلم يفاجيء النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قدم العلة على المعلول ، ولعل هذا من حكمة حذف خبر المبتدأ إذا قلنا إن كلمة ( شهر رمضان ) مبتدأ أو حذف المبتدأ إذا قلنا إنها خبر لمحذوف . وقال الأستاذ الامام : ان حذف الخبر جار على ما نعهده من ايجاز القرآن بحذف ما لا يقع الاشتباه بحذفه ، وان البيان بعد الابهام جاء على أسلوبه في ذكر الأشياء ثم ذكر علتها وحكمتها ، وهي هنا انزال القرآن الذي هدانا اللّه تعالى به وجعله آيات بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة ، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل ، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس ، وأنه من جنس الكتب الإلهية ، ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس ، فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي ، وكتب للّه كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن ، واضرب لهم مثلا كتاب دانيال النبي فان اللّه ما أنزله عليه إلا ليهتدي به من يقرأه عليهم ولكنه لم يكن آيات بينات ، بل هو كالالغاز والرموز لا يفهم إلا بعناء ، وكذلك التوراة التي سماها اللّه تعالى نورا وهدى فيها غوامض ومشكلات وقع الاشتباه فيها ، فلم يكن ضياء الحق والهداية متبلجا